محمد بن زكريا الرازي

266

الحاوي في الطب

قال : العفونة لا تخلو من أن تكون في العروق كلها بالسواء أو في أعظمها وأشرفها وهي التي فيما بين الحالبين والإبطين أو في عضو واحد أصابه ورم أو سوء مزاج حار ، والعفن لا يكون إلا لعدم البدن بتحلل ما كان منه يتحلل وذلك يكون من سدد في أفواه العروق إما لغلظ الأخلاط في جوف العروق أو لكثرتها أو للزوجتها عندما تميل إلى ناحية سطح البدن دفعة أعني الأخلاط التي في جوف العروق ، وإنما تميل إلى هذه الناحية دفعة إما لرياضة شديدة أو سير عنيف أو من تغير هواء أعني من شدة برد إلى حر أو لغضب فإنه قد يعرض من هذه أجمع السدة التي ذكرناها . لي : جالينوس يعد حمى مع ورم أو مع عفونة . قال جالينوس في « الصناعة الكبيرة » : إن فساد الغذاء في الحميات زائد فيها لأنه يولد أخلاطا ردية ولذلك ينبغي أن تعنى بالهضم في الحميات جدا أشد العناية . وقال : إذا بردت الأطراف عند ابتداء الدور وصغر النبض جدا وانقبض الدم نحو وسط البطن فإنه دور قوي مؤذ جدا وبالعكس فاجتهد في إسخان الأطراف بالدلك . استخراج : أجمعوا أن الإنضاج ينبغي أن يكون للشيء البارد فقط . قال في « العلل والأعراض » : إذا كان الخلط الفاعل للنافض حارا فشفاؤه إن كان بلا مادة بالتبريد ، وإن كان بمادة فبالاستفراغ ، كالنافض الحادث عن صفراء فإنه يحتاج إلى استفراغ ، وإن كان الخلط الفاعل للنافض باردا وكان مع مادة فشفاؤه إن كان يسيرا بالإنضاج وحده ، وإن كان كثيرا فبالاستفراغ أولا ثم بالإنضاج لما بقي ؛ وقد حصل أن النضج هو المنتهي بعد أن تكون الطبيعة غالبة ولذلك ترى الأمراض الباردة يطول منتهاها لأنها تحتاج إلى مدة طويلة لينضج الخلط الذي عنه تكون كحمى البلغم ؛ وأما الحمى المحرقة فإنها تنتهي قريبا جدا وعلى هذا فليس ينبغي أن تنتظر بحمى الربع ولا بحمى الغب والبلغم النضيج ثم تستفرغ البدن لكن إن كان السبب ضعيفا فإنك لا تحتاج إلى استفراغه البتة ويكفي أن تسخن البارد ليقبل الإنضاج - لأن النضج إنما هو تشبيه بالطبيعة - وتبرد الحار ليغير الطبيعة ، وإن كان كثيرا استفرغ وأنضج الباقي . ولست أعرف للامتناع من الاستفراغ بالمسهل في البلغم والغب والسوداء وجها إلا أن يقال إن الأدوية المسهلة تهيج حرارة وهذه الحرارة تكون حرارة غريبة فتكون أعون للحمى على الطبيعة أعني الحر الغريزي هاهنا فلذلك ينبغي أن لا تسقى دواء مسهلا بل تسقى دواء باردا إن خفت ورأيت الحرارة الغريزية قوية أو تدع الطبيعة بحالها إن رأيتها تعنى به إلى أن تحيل الطبيعة أكثر ذلك الخلط وتقوى عليه وتستعمل حينئذ الإسهال لأن الحرارة الغريبة قد ضعفت وحرارة الدواء المسهل حينئذ مأمونة ، وفي هذا وجهان من إدخال الشك : أحدهما أن يقال إذا كانت الطبيعة قد أحالت ذلك الخلط وأنضجته فليس يحتاج حينئذ أن يخرج عن البدن لأنه حينئذ مادة موافقة كالغذاء ، اللهم إلا أن يكون يشكو كميتها وذلك يمكن أن يستدرك بالإمساك عن الغذاء فليس للاستفراغ بعد